عبد الكريم الخطيب
665
التفسير القرآنى للقرآن
لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا » أي ما ذا تنتظرون ؟ وما متعلقكم بهذه الأماني الباطلة ؟ إنكم مخدوعون . . فما مقامكم فيما أنتم فيه ؟ ارجعوا إلى دياركم وأهليكم ، حيث الأمن والسلامة ، وحيث الراحة من هذا العبث الذي لا شئ وراءه . . وفي مناداتهم بيا أهل يثرب ، دعوة إلى ردّة ، يريدون بها دفع هذه المشاعر الجديدة التي عاش بها المسلمون في مجتمعهم الجديد ، حيث اتخذت المدينة في ظل الإسلام اسما جديدا ، هو المدينة ، بدلا من اسمها « يثرب » الذي عاشت فيه مع الكفر والشرك ! إنهم يريدون بهذا النداء ، أن يجلو عن المشاعر هذا الاسم الكريم ، كما أرادوا أن يجلو عنها الدين الحنيف ! قوله تعالى : « وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ » . . معطوف على محذوف ، هو استجابة لهذه الدعوة التي دعا بها بعض المنافقين ومن في قلوبهم مرض ، واستجاب لها بعض المنافقين ومن في قلوبهم مرض . . ودعوتهم هي : « يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا » . . واستجابة المستجيبين لهذه الدعوة كانت على أسلوبين : أسلوب الرجوع بغير استئذان من النبي ، وأسلوب الرجوع بعد الإذن منه . . أي أن هؤلاء الذين استجابوا لتلك الدعوة من المنافقين ومن في قلوبهم مرض كانوا فريقين : أحدهما استجاب للدعوة فورا ، فلم يلتفت إلى شئ ، ولم يراجع نفسه ، أو يرجع إلى النبىّ . . والآخر ، أراد أن يدارى نفاقه ويستر ضعف إيمانه ، بهذا العذر الذي يعتذر به للنبي ، وهو أن بيته مهدد بمن يعتدى عليه ، ويهتك ستره . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى حكاية لقولهم : « يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ » أي معرضة للعدوان عليها من المشركين أو غيرهم . . وفي قوله تعالى : « وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ » تكذيب لهذه القولة الفاجرة . . إن بيوتهم ليست عورة ، بل هي في حمى المسلمين جميعا ، وما يجرى على بيوت المسلمين يجرى على بيوتهم . . فلو دخل المشركون المدينة ، لما استباحوا